ثقافة أفلام الدورة 38 من مهرجان نامور للفيلم الفرنكفوني تدخل دهاليز مظلمة من العلاقات الإنسانية... بقلم شادية خذير
بقلم الاعلامية شادية خذير
شهدت الدورة 38 من مهرجان نامور للفيلم الفرنكفوني ماراتونا من الأفلام، ما يعادل 125 فيلما بين الطويل القصير، تعد أحدث الانتاجات السينمائية ضمن أنماط متنوعة كالوثائقي و التحريك مع ما يصاحبها من لقاءات مع المخرجين والممثلين وصناع السينما طيلة أيام المهرجان التي تقلص عددها بسبب الضائقة الاقتصادية التي يعيشها العالم .

معلقة الدورة الثامنة والثلاثين لمهرجان الفيلم الفرنكوفوني بنامور
المخرجة Delphine Girard أعلنت بفيلمها quitter la nuit» انطلاق الدورة الجديدة لمهرجان نامور للفيلم الفرنكوفوني، وهي التي حولت شريطها القصير une Sœur والذي كان وصل إلى القائمة القصيرة من ترشيحات اوسكار لأفضل الأفلام القصيرة الناطقة بلغة أجنبية سنة 2020 وكان تنافس مع فيلم إخوان Brotherhood للتونسية الكندية مريم جوبار ومع الفيلم القصير الأمريكي والذي أحرز الجائزة The Neighbors Windows للمخرج الأمريكي Marshall Curry

المخرجة دلفين جيرارد
تحويل فيلم قصير إلى فيلم طويل مغامرة في حد ذاتها وتصبح المهمة أصعب عندما يتعلق الأمر بفيلم ناجح وصل إلى مراتب عليا في الترشيحات ولعلني من أولئك الذين أصيبوا بخيبة أمل إثر مشاهدة عرض فيلم quitter la nuit ومرد خيبة الأمل تبخر عنصر التشويق والغموض في الشخصيات التي منحها لنا الشريط القصير فقد فقدت الشخصيات بريقها بدءا من شخصية آنا تلك الشرطية التي تتلقى مكالمة هاتفية من سيدة تفهم فيما بعد أنها تطلب النجدة بسبب وجودها في سياق مهدد لسلامتها وأمنها وصولا إلى بقية الأحداث التي تمططت بفعل تحويل الفيلم إلى فيلم طويل دون أن يكون هناك تطور للشخصيات ولا تغير للأحداث أو بناء درامي جديد يجعلنا نتشوق لمعرفة بقية أطوار الحكاية لأن ما يجب أن يقال عن القصة قيل وبأسلوب برقي ذكي مشوق سرعان ما انطفأ لمعانه بعد الربع ساعة الأولى من الفيلم.
العلاقات الثنائية في مدارإهتمام كتاب السيناريو والمخرجين
عن تلك التفاصيل في العلاقة بين اثنين تربط بينهما علاقة حب توّقف أكثر من فيلم خلال هذه الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان نامور للفيلم الفرنكوفوني. وإذا ما اعتبرنا أن اختيار الأفلام المشاركة في السباق يخضع لعملية انتقاء وتدبير وغربلة فيمكن أن نعتبر أن الخط الجامع بين هذه الافلام لا يمكن أن يكون قد ترك مجالا للصدفة أو للحظ وتقول هيلين لامبارت المكلفة ببرمجة الأفلام بمهرجان نامور لموقع الجمهورية "في برمجة الأفلام لا تلعب الصدفة دورا كبيرا، الحب موضوع شائع ويتطرق له المخرجون كثيرا في أعمالهم ولكن فعلا خلال هذه السنة برمجنا أفلاما عديدة تمثل فيها العلاقات بين اثنين قاسما مشتركا بين الأفلام، بعضها يتوقف عند رحلة الفرصة الأخيرة لBen et Laura لإنقاذ تلاشي العلاقة وتمزقه، فنحن إزاء تشريح نفسي للعلاقات الإنسانية وكيف يمكن أن تتحول قصة حب وعشق إلى تنافس وخصام وملل وأعتقد شخصيا أنه خلال السنوات الأخيرة وخاصة بعد الكورونا كان تركيز المخرجين على اختيار سيناريوهات عن العلاقات الإنسانية و خاصة الأسرية فمنذ سنة تقريبا لاحظنا اهتماما خاصا بهذه المواضيع التي طفت على السطح بسبب الحجر الصحي الذي جعل إفراد الأسرة ينتبهون لطبيعة العلاقات التي تربطهم وما ترافق مع هذا الاكتشاف من تمزق كثير من العلاقات سواء كانت ضمن مؤسسة الزواج أو خارجها بفعل الاحتكاك اليومي والحجر والأزمة الخانقة والتي لم تصمد أمام الوضع الصحي الدقيق".

يحاول كل من بان ولورا في فيلم Soudain Seuls تخطي الفشل الذي يتربص بعلاقتهما منذ زمن قصير علاقة تبدو مضطربة و متعثرة كما يصورها المخرج Thomas s Bidegain ويضع أمامها صعوبات جمة ستكون بمثابة سباق الحواجز للبقاء ومع كل حاجز يعترض البطلين خلال أحداث الفيلم تطرح أسئلة عن طبيعة العلاقة ومدى متانتها ولا يخلو الفيلم من مواجهات ونقاشات تكشف حجم الوهن في حكاية تعلق منسوجة بخيط العنكبوت يبدو أنها مصيرها مرتهن بمدى قدرة البطلين على البقاء أحياء ومواجهة الحقيقة بوجه مكشوف .
الفيلم مقتبس من كتاب يحمل نفس الاسم للكاتبة ايزابيل اوتيسيي ويؤدي جيل لولوش و ميلاني تياري الأدوار الرئيسية في هذا الفيلم الذي عرض في القاعات منذ ديسمبر الماضي.
ولئن يتطرق فيلم Solo إلى سياق مختلف من العلاقات الثنائية التي يقاس مدى عمقها هي الأخرى بحواجز وأحداث صنعتها المخرجة صوفي ديبوي في فيلم يحملنا إلى عوالم الليل فإن فيلم laisser moi ينحى منحا مختلفا في تصوير حياة كلود تلك المرأة التي ضبطت إيقاع حياتها على موعد أسبوعي مع رجال غرباء تلتقيهم في النزل القريب من القرية حيث تعيش مع ابنها المقعد وزوج لم تختر المخرجة أن تخبرنا عنه الكثير .

كلودين رتبت كل التفاصيل بعناية ولكن
كلودين رتبت كل شيء في حياتها حتى تتجنب التعلق وبناء علاقات جديدة ولكن هل تستسلم للقدر الذي سطر للقاء مايكل ذلك المهندس الذي قد يغير نظرتها للعلاقات.
معلقة الفيلم الحائز على السعفة الذهبية تتصدر قاعة الكاميو بنامور فيلم Anatomie ى d’une chute لا تبدو خارج السياق رغم أن الفيلم لا يعرض ضمن أفلام مهرجان الفيلم الفرنكفوني، تمر من جانب المعلقة فتلقي بك الصور داخل قاعة المحاكمة حيث تطرح على الطاولة الخشبية للمحكمة قضية معقدة تبرز داخلها تضاريس العلاقة الزوجية بين ساندرا وسامويل. علاقة تبرز فيها نتوئات الغيرة والإحساس بالذنب بين كاتبين وتلك دهاليز مظلمة من العلاقات الثنائية تدخلها المخرجة جوستين تريي دون قفازات إذ تدور جميع اطوار جلسة المحاكمة حول طبيعة العلاقة بين ساندرا وسامويل ودورها في تحديد الجاني.
أسئلة عديدة طرحتها الأفلام في هذه الدورة الثامنة والثلاثين من مهرجان الفيلم الفرنكوفوني عن العلاقات الثنائية داخل سياقات مختلفة متنوعة كانت مثل النهر الكبير الذي تفرعت منه جداول كثيرة سالت فيها مياه من الارتباك والخوف وبجانبها بحيرات هادئة آو لعلها تبدو كذلك من العلاقات الثنائية لنجد أحيانا أنفسنا وسط شلالات من المياه الممزوجة مشاعر مختلفة ومتناقضة من العواطف والصور عن علاقات ثنائية ولكنها في النهاية علاقات إنسانية ترتهن للإنسان ولحكاياته أينما كان وأينما حل.